ابن قيم الجوزية

20

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

واللّه لو أن الدليل مكانها * ما كان ذلك منه في امكان هذا ولو سارت مسير الريح ما * وصلت به ليلا إلى نعمان سارت وكان دليلها في سيرها * سعد السعود وليس بالدبران وردت جفار الدمع وهي غزيرة * فلذاك ما احتاجت ورود الضان وعلت على مين الهوى وتزودت * ذكر الحبيب ووصلة المتداني المفردات : الصفا : هو الجبل المعروف ، المحث : اسم فاعل من أحثه على كذا بمعنى نشطه ، ومفعوله محذوف أي المحث راحلته ، العاني : الأسير ، الخفقان الاضطراب ومنه خفق الطائر بجناحيه ، نعمان : اسم مكان ويقال له نعمان الأراك ، وسعد السعود والدبران نجمان يكنى بهما عن الاقبال والادبار . جفار : جمع جفر وهي البئر الواسعة ، المين : الكذب . الشرح : يقول الشيخ : ان تلك الحسناء في رحلتها المباركة الطويلة صعدت على أعلى الصفا ، وأنها قصدت هناك دارا للمحث مطاياه ، المكبل بقيود هواه ، ولعله يقصد بها دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كانت أول مدرسة في الاسلام يجتمع فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه يقرئهم القرآن ويعلمهم عقائد الايمان ، ثم يعجب الشيخ لشأن تلك الزائرة كيف كانت تسير في هذه المتاهات بلا دليل وبسرعة الريح ، حتى أنها قد بزت الدليل في خبرتها والريح في سرعتها ، وكان اهتداؤها في مسيرها بذلك النجم الميمون المسمى بسعد السعود ، وليس بالدبران الذي هو علامة النجس والشؤم ، وأنها وردت آبار الدمع غزارا فاكتفت بها عن كل ورد سواها ، وأنها ربأت بنفسها عن كذب الهوى ، وكان زادها في رحلتها ذكر الحبيب ووصله المتداني القريب . وعدت بزورتها فأوفت بالذي * وعدت وكان بملتقى الأجفان لم يفجأ المشتاق إلا وهي دا * خلة الستور بغير ما استئذان قالت وقد كشفت نقاب الحسن ما * بالصبر لي عن أن أراك يدان